ابن قيم الجوزية
30
الطب النبوي
ولما كان الطاعون يكثر في الوباء وفى البلاد الحربية ( 1 ) ، عبر عنه : بالوباء ، كما قال الخليل : " الوباء : الطاعون " . وقيل : هو كل مرض يعم . والتحقيق : أن بين الوباء والطاعون عموما وخصوصا ( مطلقا ) ، فكل طاعون وباء ، وليس كل وباء طاعونا . وكذلك الأمراض العامة : أعم من الطاعون ، فإنه واحد منها . والطواعين : خراجات ، وقروح ، وأورام رديئة حادثة في المواضع المتقدم ذكرها : قلت : هذه القروح والأورام والخراجات ( 2 ) ، هي : آثار الطاعون ، وليست نفسه . ولكن الأطباء لما لم تدرك منه إلا الأثر الظاهر : جعلوه نفس الطاعون . والطاعون يعبر به عن ثلاثة أمور : ( أحدها ) : هذا الأثر الظاهر ، وهو الذي ذكره الأطباء . ( والثاني ) : الموت الحادث عنه . وهو المراد بالحديث الصحيح ، في قوله : " الطاعون شهادة لكل مسلم " . ( والثالث ) : السبب الفاعل لهذا الداء . وقد ورد في الحديث الصحيح : " أنه بقية رجز أرسل على بني إسرائيل " ، وورد فيه : " أنه وخز الجن " ( 3 ) وجاء : " أنه دعوة نبي " ( 4 ) . وهذه العلل والأسباب ليس عند الأطباء ما يدفعها ، كما ليس عندهم ما يدل عليها . والرسل تخبر بالأمور الغائبة . وهذه الآثار التي أدركوها من أمر الطاعون ، ليس معهم ما ينفى أن تكون بتوسط الأرواح : فإن تأثير الأرواح في الطبيعة وأمراضها وهلاكها ، أمر لا ينكره إلا من هو أجهل الناس بالأرواح وتأثيراتها ، وانفعال الأجسام وطبائعها عنها . والله سبحانه قد يجعل لهذه الأرواح تصرفا في أجسام بني آدم : عند حدوث الوباء ،
--> ( 1 ) كذا بالأصل . وفى الزاد ( ص 75 ) : " الوبية " ولعل الصواب : " الحرية " فليحرر . ( 2 ) كذا بالأصل . وفى الزاد : " والجراحات " . ولعله تصحيف . ( 3 ) أخرجه : الطبراني في الأوسط ، وأبو نعيم في فوائد أبى بكر بن خلاد عن عائشة . وأخرجه أحمد : عن أبي موسى بإسناد رجاله ثقات . وأخرجه الطبراني عنه أيضا . اه ق . ( 4 ) في البخاري ومسلم : " أنه رجز أرسل على بني إسرائيل " . فلعله دعوة نبي من أنبيائهم . اه ق .